السبت، 3 أكتوبر، 2009

عن الإسكندرية التى كانت



*عبد الرحمن درويش


كنا أطفالا صغارا، وكان بيت جدي بشارع الليثي بحي العطارين خلف نقطة شريف (كراكون الإنجليز كما كان يطلق عليه) وخلف كلوب محمد علي (مركز الإبداع حاليا) بما كان له من مكانة وأرستقراطية. وبالقرب من مسرح محمد علي (مسرح سيد درويش حاليا). كان لنا ذكريات طفولة مع مسرح محمد علي، فقد كان هذا المسرح يحي موسمه الشتوي فرق الأوبرا والباليه. كنا في أواخر الأربعينيات نذهب إلي مدخل هذا المسرح الذي يقع في شارع فؤاد (طريق الحرية حاليا) لنتطلع بفضول إلي أفواج الرواد الذين يرتادون هذا المسرح العظيم لا نستطيع أن نفرق بين المصري من أصل أجنبي والمصري الأصيل. كان الرجال يلبسون ملابس السهرة والنساء يلبسن فساتين السهرة. كان الرواد أمام المسرح يتحركون بخفة ويتعاملون برقة وكأنهم يحاولون ألا يقتحموا خصوصية الآخرين. كنا نتطلع إليهم بانبهار ولم تكن الظروف تمنعنا من حين لآخر من حضور هذه العروض. كنت _ ومعي صحبة صغيرة _ لا نميل كثيرا إلي عروض الأوبرا التي غالبا ما تكون بالإيطالية التي لا نفهمها، كما أننا لم نكن كأطفال نميل إلي تلك الموسيقي الرائعة والأصوات المبهرة لأننا كنا قد رسخت في نفوسنا إيقاعات موسيقانا المصرية الجميلة التي ثبت أنها عالمية إن أعيد توزيعها أوركستراليا كما حدث لبعض ألحان سيد درويش مثل سالمة يا سلامة و زروني كل سنة مرة . لم نكن نميل إلي حفلات الأوبرا لكننا كنا ندخر من مصروفنا ثمن تذكرة حفلات الباليه. كانت تبهرنا تلك اللغة العالمية لغة الجسد والتعبير الحركي بقوة ونعومة عن معاني جميلة ترسخت في نفوسنا. لكن الذي ترسخ في نفوسنا أكثر ذلك السلوك الراقي للرواد من المتابعة في صمت.
تمر بنا الأيام ونشاهد رواد المسرح ورواد السينما الذين يحضرون معم سندوتشات الفول والطعمية وقراطيس اللب والسوداني، وترتفع أصواتهم بلا مبرر بتعليقات بذيئة، ويتحركون بين المقاعد بلا هدف.
يحضرني بهذه المناسبة لقاء حول زيزينيا رائعة أسامة أنور عكاشة تم في أتلييه الإسكندرية منذ فترة وأثير خلاله نقاش حول الإسكندرية الكوزموبوليتانية التي تعرض لها أسامة في مسلسله المذكور. كان رأي د. محمد رفيق خليل الشاعر والجراح الكبير ورئيس أتيلييه الإسكندرية أن الإسكندرية ضمت الكثير من الحضارات ولكن هذه الحضارات لم تمتزج وإنما ظلت الإسكندرية كلوحة الفسيفساء من جميع الحضارات متلاصقة ومتقاربة لتصنع تلك اللوحة العبقرية لكنها غير ممتزجة أو لم تمتزج لتصنع حضارة جديدة. انضم إلي هذا الرأي الكثير من الحضور.
دللت علي ذلك أن المصريين من أصول يونانية وإيطالية وأرمينية ومالطية وجريتلية كانوا يعتبرون أنفسهم مصريين وكانوا يسموننا نحن المصريين الأصلاء أولاد العرب . وقد تأثر السكندري من أولاد العرب بالحضارات التي يتعايش معها فدخلت بعض المصطلحات الأجنبية إلي لسان السكندري مثل كلمة بياصة فهناك بياصة الشوام بالعطارين وسوق البياصة بكرموز وأصل الكلمة في الإيطالية بياتسا وتعني ميدان. كذلك كلمة باستا وتعني مخبوزات بالإيطالية إلي جانب الكثير من مصطلحات الصناعة مثل بيانطا و رابو وتعني في النجارة نموذج وفارة علي الترتيب. وإذا تطلعنا إلي اللباس السكندري القديم الصديري والسروال الواسع الذي يستخدمه حتي الآن بعض الصيادين نجده يشبه كثيرا لباس اليونانيين الشعبي ولباس الألبان عبر المتوسط.
يستوقفني هنا مثل شائع عن السكندريين وهو: خناقة إسكندراني وإن كان يقال علي سبيل السخرية علي أساس أن الخناقة ليس بها طحن أو دم إلا أنني أري أن هذا المثل يحمل معني حضاريا بمعني أن السكندريين لا يصلون في نقاشهم إلي التماسك بالأيدي.
في المقابل نجد أن تأثر السكندريين من أصول أجنبية كان أكبر، فشاعر الإسكندرية كفافيس اليوناني الأصل تأثر بالإسكندرية تأثرا كبيرا. كما أنه كتب قصيدة عن دنشواي هي سبعة عشر يوما لم يستطع أن يجاريه فيها شاعر آخر رغم رائعة صلاح عبد الصبور زهران . ونجد أن لورانس داريل ­ رغم التحفظات علي المجتمع الذي صوره في رباعية الإسكندرية ­ إلا أنه أمسك بسنوات معينة من تاريخ الإسكندرية وصور أماكن وشوارع وشخصيات تدل علي تداخل هذه الحضارات.
نجد كذلك أن إبراهيم عبد المجيد يصور لنا في طيور العنبر صاحبة الأتلييه اليونانية كنوذج حي للشخصية اليونانية السكندرية. وكذلك مصطفي نصر يقدم لنا في جبل ناعسة أنطونيو اليوناني تاجر الدشت نموذجا آخر فهو يقيم علاقة تقترب من الزواج والعشرة مع خادمته المصرية. ويصور لنا محمد جبريل في زمان الوصل الجد اليوناني في ميناء بيريه الذي عاش عمره بالإسكندرية يميل إلي المهاجر السكندري ويشجع حفيدته علي الزواج منه. ولماذا نذهب بعيدا ولدينا الفنانة لبلبة التي تمثل هذا النموذج السكندري.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الإسكندرية*

‏ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق