الجمعة، 15 يناير، 2010

محمد قنديل...بين شطّين و مية





بين شطين و مية


بين شطين وميه عشقتهم عينيا
ياغالين عليا يا أهل اسكندرياااااه بين شطين وميه عشقتهم عينيا اه
يااااااااا ياغالين عليا اه
ياهل اسكندريه ياهل اسكندريه
............ ................ .............
ياما الناس قالوا لي قالو و وصفوا لي 
حلو بسنه لولوي و التيه واخدو غيّة
 ياغالين عليا ياهل اسكندريه
محقوقلي وظلمني
 و في قلبي مقاسمني
 من مده مخصمني
 مش داري اللى  بيا
 يا غالين عليا (2) ياهل اسكندريه
............. .................. ............
لا اسأل عن دياره و اروحله و ازوره
اسال عن دياره اروحله وازره واتملي بنوره
واخدله هديه
 ياغالين عليا ياهل اسكندرية
................ ............ .............
روحنلكم و جينا و زورنا المدنيه
بالغالي ندينا اه بالغالي ندينا
لشلكم في عنياه
ياغالين عليا اه
ياهل اسكندريه


إستماع و تحميل


فراديس علاء خالد


علاء خالد فى مقهى إيليت قبل بداية ترميمه



أحمد الفخرانى
ــــــــــــــــــــــــ
ذات يوم مر أحد أعضاء مجمع اللغة العربية بالصدفة على جاليرى علاء خالد بحى رشدى فى الاسكندرية، توقف أمام اسم الجاليرى "فراديس" ، فدخل إلى صاحب الاسم معترضا على جمع الكلمة "لايوجد سوى فردوس واحد فى الجنة،لا أحد يملك فردوسه على الأرض،ولايمكن جمع الكلمة"
لكن الجاليرى بالفعل هو فردوس علاء خالد الخاص،جنته التى انشأها عام 1996 مع زوجته سلوى رشاد،رفيقة حياته ونصفه الذى قاسمه أحد أهم المطبوعات الثقافية فى مصر "أمكنة.
"كانت فكرة منقذة "يقول علاء خالد،بعد انقطاع خمس سنوات عن العمل حيث كان يعمل كيميائيا بإحدى شركات القطاع الخاص،زوجته خريجة الفنون الجميلة،كانت العنصر الأساسى وراء اختيار الجاليرى كمشروع .
خبرات عديدة اكتسبها صاحب "حياة مبيتة "، كان أكثر قلقا من الناس ومن الاحتكاك المباشر بهم "كنت أخشى البقاء بمفردى فى البداية، وأصر على بقاء سلوى زوجتى معى فى الجاليرى" .
رويدا رويدا اكتسب علاء خالد حساسيات المكان الذى يمتلك قدرة على صنع علاقة حميمية وأليفة مع من يدخله، صارت خبراته مع الناس أكثر صقلا ورهافة،أعطاه وقتا أكبر للكتابة والقراءة والتأمل.
8 ساعات يوميا من البقاء وسط أيقونات بهذه الدقة والجمال والتناسق، أشاع حالة جمالية داخله على حد تعبيره.
"قصائد (كرسيان متقابلان )كتبت كلها من خلال ما رأيته من خلف زجاج الجاليرى الذى يكشف الشارع، تلك العجوز السويسرية التى لاتعرفنى، ثم دخلت إلى لتحكى بدون مبرر عن حياتها ومآساتها "
ليس مكانا للاعتراف، لكنه مكان للبوح، حالة التخفف التى تعترى كل من يدخل إلى الجاليرى سمحت بذلك ،تصميم المكان ، تناسقه، نوعية معروضاته التى تتنوع بين الموازييك والخيامية والفوتوغرافيا والآلبستا،والزجاج اليدوى كلها أشياء تمنح المكان روحا تتلبس من يدخله، روح من يدخل فردوس على الأرض.
علاقة لاتتورط فيها ولا يتورط معك أحد فيها هى نفسها العلاقة بين علاء خالد والآخرين فى الوسط الثقافى سواء من الأجيال السابقة أو الحالية "اتعامل مع كل فرد بوصفه مشروع مستقل"يقول صاحب "جسد عالق بمشيئة حبر"
كان علاء خالد وزوجته سلوى رشاد يسافران كثيرا، حرصا على أن يعرفا ماتتميز المكان بصناعته، هنا فى الجاليرى منتجات من كرداسة والفيوم والحرانية وسيوة .
"ليست الأماكن فقط،لكن أرواح الصانعين،تراها هنا بوضوح ،الأمر الذى يفرق الشغل اليدوى عن أى شىء آخر ، تتبقى بصمة صاحبه، طريقته فى الحياة فى الحب فى استقبال التفاصيل".
بدأ الجاليرى برأس مال فقير،وأثناء الاعداد للمكان شارك العديد من الأصدقاء فيه ولو بالطلاء أو بترتيب المكان أونقل معروضاته كأسامة الدناصورى رفيق عمر علاء خالد الذى رحل مبكرا ، ندمت عندما سألته عنه،لمحت تلك الرغبة فى البكاء عند الحديث عن اسامة الذى لازالت ذكراه حية فى وجدانه واضطررت لقطع الحوار، بتدخين سيجارة معه على باب الجاليرى .
عندما كان علاء خالد يقف كثيرا خارج الجاليرى لتدخين سيجارة ، كان بائع السمك المجاور له ينصحه أن يأتى بماكينة تصوير، فلم يكن بائع السمك يدرك أن طبيعة المكان تفرض عدد قليل من الزبائن، فالدكان الرائج يعنى عنده "أقدام كثيرة تعبر إلى المحل" تذكر علاء ذلك ضاحكا .
فكرة الجيرة بين أصحاب المحلات، فكرة مهمة اكتسبها من الجاليرى، وفى احدى قصائده يكتب عن عم عطية "المكوجى "،علاقة تكونت بينه وبين عم عطية دون مباشرة، عرف كل منهما حدود الآخر وطباعه.
كيف يتحول الشاعر إلى بائع ؟هل تنقذه الثقافة أم يأكله قانون البيع والشراء.
زبون الجاليرى زبون من نوع خاص، يشترى على فترات بعيدة،"تربية الزبون " أضافت فكرة مهمة عند علاء خالد، أن لايتعجل فى علاقة مع أحد وأن يترك للآخر حرية اختيار ايقاعه الخاص منه، دون تدخل منه،قد يدخل زبون إلى هنا ويتحرك فى المكان لمدة ساعة أوساعتين يشاهد و"يقلب" فى البضاعة ويخرج دون أن يشترى شيئا، لم تفلت أعصاب صاحب "تصبحين على خير" سوى مرة واحدة،على زبونة إيطالية أصرت أن تخرج بسعر حددته هى، كان اصرارها عجيبا، لدرجة أنه لم يقبل اعتذارها وتراجعها حاسما الأمر"مافيش بيع "
لم يكن ما يحويه الجاليرى حكرا على الطبقة الأرستقراطية أو المثقفة، لكنه كان فى الماضى جزءا من تفاصيل البيوت الفقيرة ،لكن اختفاء صفات اجتماعية أخفى معه ذائقة جمالية،فلم يعد أغلب المصريين يمتلكون ذلك الحس الذى يشبع القلب قبل العين.
احتوى ذلك المكان على كلام عميق وحميم بين بشر مختلفين .لكن ماالذى يحويه قلب علاء خالد، هل هو راض بفردوسه؟ذلك المكان الملىء "بالحنية" كما قال.
إنه ينتظر شيئا آخر، لن يطيق أدم صبرا على الفردوس، سيصير بالنسبة له "حالة مؤقتة " لا يعلم علاء ماهى الخطوة القادمة، فقط يعلم أنها قادمة.
"حياة المصريين وصلت إلى حالة من الاختناق،حياة مثل تلك تحتاج إلى شىء من المخاطرة والابتكار"
ماالذى يبحث عنه علاء خالد ولايرضيه عن فردوسه الذى منحه "الأمان والحنية"، لازالت كلماته التى اختتم بها الحوار تشتعل فى قلبى "لاتصدق أبدا أن فرديتك ناجية،اختياراتنا التى تقربنا من الأمان، ماهى الاحواجز تعيقنا عن اكتشاف أرواحنا، المخاطرة وحدها هى التى ستقف بنا فى مواجهة ذواتنا ورؤيتها من جديد"
سيغادر فردوسه، ليصنع آخر 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
علاء خالد شاعر و روائى سكندرى
* أحمد الفخرانى صحفى و قاص من إسكندرية و يقيم بالقاهرة.






مقاطع مش حزينة أوى




صفاء عبد العال*
ـــــــــــــــــــــــــــ


1
لو كنت راعيت ربنا شوية فى حبة الخيال اللى مديهم لى
ومادورتش أبعزق فيهم يمين وشمال
اشى ملايكة بفساتين فزدقى بيتنططوا حواليا
وأنا باجيب الديب من ديله
على الجنيات اللى بياخدوا بايدى فى كل مرة
أدخل فيها قصيدة وما أعرفش أخرج
يمكن كنت قدرت دلوقتى أعرف بالظبط
الجناحات اللى معايا دى كلها بتاعة مين!!
2
النجمة اللى لقطتها قبل ما تقع على الارض
كانت مطفية
فاضطريت بدافع الشفقة انّى أخليها معايا
لكن الجبانة كانت عارفة
شفطت كل النور اللى فى روحى
وطفتنى
3
البحر اللى ما قدرش يجاوب على سؤال الملح
ولا يسد الفراغ اللى سابه الصخر فى رجلينا
ولا الجروح الغايرة فى روحنا
مايستاهلش تكون نهايتنا على ايده
4
ايه اللى فاضل فى ّ الريح ماكنستوش
بعد ما بلعت الأرض اللى قدرت عليه
ورقصت النار على الباقى
فاكرين انهم بكده بيخفوا معالم جريمتك
وبيمنحونى الوقت عشان أسامحك
طب أزاى!
وعينى دى اللى تحت رجلك
5
النهارده ولأول مرة
قدرت امسك الحكاية من طرفها
لكن الظاهر جنون الفرحة
عمانى عن ان طرفها التانى
شابك فيه عفاريت لا ليها أول ولا اخر
ساعتها بجد ماكانش الفزع هو اللى شاغلنى
كان كل همى ازاى أدبر لهم مكان
عشان يناموا فيه
6
البهجه دى مش بتاعتى
فياريت ماحدش يضرب نار
واللى يحبنى ما يسألنيش عن الرحمةاللى جت
قبل راسى بكام مللى ومارضيتش تنزل
وازاى ده خلاّنى ساعات كتير قوى
أشك فى وجودها
واضطر فى أوقات اكتر أستعمل أى فرح قديم
عشان أقعد بيه وسط صحابى
يمكن أقدر أستر مجالى
على النموذج
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


شاعرة سكندرية

رباعية الإسكندرية...لورانس داريل


Lawrence Durrell


"الخواجة" داريل يعود بعد الطوفان

دينا حشمت

جوستين» بلغت الخمسين... ولمّا نتصالح مع «رباعيّة الاسكندريّة»
حين تحتضن الإسكندريّة مؤتمراً عن الرباعيّة الشهيرة، لا مفرّ من انبعاث أسطورة «الكوسموبوليتية»... ومعها الجدل القديم عن التعاطي «الاستشراقي» والفانتازي مع المكان، في هذا الأثر «الخالد». ماذا بقي اليوم من مدينة لورانس داريل؟
عندما صدرت «رباعية الاسكندرية» في ستّينات القرن المنصرم، احتفت بها الأوساط الثقافية العالمية تحفةً أدبيةً نادرةً، جلبت الشهرة لصاحبها. وسرعان ما اعتُبر البريطاني لورانس داريل ( 1912 ــــ 1990) كاتبَ الاسكندرية، الذي خلّد المدينة روح «الكوزموبوليتية» عاصمة الذاكرة، ومدينة الرومان والإغريق التي بُنيت «كالسدّ لمنع طوفان الظلمة الأفريقية» كما تصفها «الرباعية».

إلا أنّ الرواية لم تلق الاستحسان عينه في مصر التي كانت عام 1957، سنة صدور «جوستين»، (الجزء الأول من «الرباعية»)، تعيش في أوج آمال القومية العربية والثورات التحرّرية في القارة الأفريقية. هكذا، كتب مثقفو الإسكندرية وأدباؤها يعبّرون عن شعورهم بالغربة تجاه تلك المدينة التي يصفها داريل منقسمةً بين «المدينة الأوروبية»، مدينة الكورنيش والمقاهي في شارع فؤاد، وبين «الأحياء العربية»، أحياء يُقدّمها من خلال مشاهد فولكلورية غرائبية على غرار احتفال شعبي بمولد أحد الأولياء، أو بيت دعارة للأطفال... أحياء تعجّ بالأصوات المُزعجة والروائح الكريهة مثل «رائحة اللحم الأسود وهو يعرق».

حتى الكتّاب الذين عاشوا فترة ازدهار الجاليات الأجنبية، مثل إدوار الخراط، وعبّروا في كتاباتهم عن نوع من الحنين إلى فترة التعايش بين جميع الجنسيات والأديان التي عرفتها الإسكندرية في الخمسينات والستينات، وصفوا «الرباعية» بأنّها بعيدة كل البعد عن «إسكندريتهم». كتب الخرّاط يقول إنّ داريل «لم يعرف الإسكندرية، (...) فالإسكندرية عنده أساساً هي وهم غرائبي».

أتى داريل إلى مصر عام 1941 هارباً من تقدّم النازيين الألمان في اليونان، وعمل «ملحقاً صحافياً» لدى مكتب الاستخبارات البريطاني في الإسكندرية من عام 1942 حتى 1944. تقع أغلب أحداث الرواية قبل هذه الحرب مباشرة، في «المدينة الأوروبية»: هناك، في بهو فندق «سيسيل» القديم المطلّ على البحر يلتقي الراوي الكاتب الإنكليزي الشاب دارلي، جوستين، اليهودية المصرية المتزوّجة نسيم الذي ينحدر من إحدى العائلات الأرستقراطية المسيحية الاسكندرانية. تنشأ علاقة غرامية بين دارلي وجوستين، يزيد في تعقيدها ارتباط دارلي براقصة يونانية شابة هي ميليسا. تستمر هذه الشخصيات الرئيسية وغيرها في البحث عن ذواتها من خلال خبرات تستكشف معنى الجنس والحب، معنى الحياة والواقع. تزداد حبكة النصّ تعقيداً في الأجزاء التالية من «رباعية الاسكندرية» وهي «بلتازار» (1958)، و«ماونت أوليف» (1958) و«كليا» (1960)، في وسط مغلق مختنق، يعجّ بمؤامرات سياسية يُدبّرها رجال الدبلوماسية البريطانية العاشقون لمصر (ونسائها)، ورجال السلطة المصرية الذين يصورهم داريل مثالاً «للمستبد الآسيوي» الفاسد الدموي. كل هذا في «مدينة الجنس والموت» كما يصف داريل الإسكندرية في رسائله إلى الروائي الأميركي هنري ميللر.

لا غرابة إذاً في أن تثير الرواية، منذ صدورها حتى اليوم، ذلك الكم الهائل من الجدل. والجدل نفسه، كان من الصعب تجنّبه، في إطار مؤتمر عن «رباعية إسكندرية» ينظّم في مصر، حتى وإن كان مدفوعاً برغبة تجاوز المناقشات العقيمة التي قد تُصاحب هذا النوع من الإشكاليات. لقد فشل هذا المؤتمر الذي نظّمه أخيراً «المجلس الثقافي البريطاني» بالاشتراك مع «مركز أبحاث الإسكندرية والبحر المتوسط» التابع لـ«مكتبة الإسكندرية» في الخروج من «الكلام المكرّر الذي لا بد أن يُصاحب أي مؤتمر عن داريل» على رأي الشاعر الإسكندراني علاء خالد. ولم يأت بأي جديد. من ناحية الشكل، ظهر التوازن بين «إسكندرية الماضي» (أي مدينة داريل) و«إسكندرية الحاضر» (أي مدينة الكتّاب المعاصرين) كمحاولة مصطنعة للتوازن بين رؤية «استشراقية» وأخرى «وطنية» عُرضتا بشكل متواز، كأنْ لا تداخل بينهما.

أمّا من ناحية المضمون، فلا الجلسات الخاصة بحياة داريل (شارك فيها اختصاصيّون في علاقة الكاتب بالمدينة المتوسطية، والمكانة التي احتلتها في مخيلته كروائي مثل مايكل هايج)، أو في شعره المتوسطي مثل بيتر بورت...)، ولا العروض الموازية (شريطان تسجيليّان)، نجحت في إثارة أي مناقشة... على الأقل على المنصة. الجدل المتوقع جاء من الجمهور هذه المرّة. وهذا ما حدث أثناء جلسة «القراءات لأدباء الإسكندرية» التي اعتذر عنها إدوار الخراط. أمّا الروائي المصري إبراهيم عبد المجيد، فكان يبدو أنّه سيكتفي بالإعلان بأنّه كان «متيّماً بجوستين»، قبل أن يقرأ للحضور جزءاً من روايته «طيور العنبر» التي تدور أحداثها في إسكندرية تأميم القناة... لكنّ ملاحظات الجمهور أجبرته على أن يتّخذ موقفاً في الموضوع. ومع ذلك، فقد عبّر عن رأيه من خلال تعميمات ترضي الجميع («مفيش إسكندرية واحدة، فيه إسكندريات، داريل إسكندرية، تزالاس إسكندرية، والكل صادق في تعبيراته»)، بعدما استفزته مداخلة رأت أن «الرباعية» «مؤامرة على الروح المصرية الأصيلة».

هاري تزالاس، الكاتب اليوناني الذي ولد وعاش حتى عامه العشرين في الإسكندرية، هو الوحيد الذي خرج بسبق الإصرار والترصّد على برنامج «الإسكندريات الموازية». قال قبل قراءة قصة من أعماله تدور أحداثها في الإسكندرية، إنه «لم يشعر بأي حماسة عند قراءة «الرباعية»»، متسائلاً إذا كان سبب ذلك أنّه «إسكندراني»؟ كأنّه يشير إلى صعوبة أن يستسيغ «الإنسان المحلي» رواية استشراقية تدور في مدينته. كما ذكّر هاري تزالاس الحضور بإحدى قصصه التي تحكي تجربة عاشها في الإسكندرية عندما ذهب مع ابن بوّاب عمارته ليستمع إلى خطبة تأميم قناة السويس التي ألقاها جمال عبد الناصر في ميدان المنشية... كأنه أراد إعلان انتمائه إلى «طوفان الظلمة الأفريقية» في مواجهة «عاصمة الذاكرة» المحبّبة لداريل 

لتحميل الأجزاء الأربعة لرباعية اسكندرية




.

مبعثرة.....




أيمن الجندى*
ــــــــــــــــــــــ



يسحب نفساً عميقاً من شيشته الحامية خالقاً أكواناً من السديم الابيض . ناظراً من خلال حلقات الدخان للجالسين حوله وهم يثرثرون عما أبتلي المحروسة القاهرية من حرائق متتالية ... ترتفع كلماتهم الأخف من الجاذبية وتذوب كالزبد الجُفاء مع دخان شيشته المتطاير

يشعر بالضجر ... يخرج بعض الجنيهات المهلهلة ويهم بمناداة الحساب ليجد فتي المقهي وقد أنغمس بدوره في حديثهم الناقد المجتمعي البناء حول من حرق حقول الموووز ليفوز وحده بالبطيخة الذهبية ... يلقي النقود بعصبية تشوبها لا مبالاة ويغادر ...

يسلك طريقاً مختصرا نحو منزله الذي زاده الملل أبتعاداً ... حشد يسارع في بناء نصب جنائزي قبل مغيب الشمس ... يتذكر نيتشه .. ( في العزلة المتوحد يلتهم نفسه .. وفي الحشود تلتهمه اعداد لا متناهية ) ... ( راسل كرو ) يزاحم نيتشه ... في ( العقل الجميل ) كانت الفقرات المكتوبة في أعمدة ونصوص من الكلمات تغشاه وتربك عقله الفالت لتتشكل في كيانات موحدة فيما وراء بصره لتجعل من نفسها كيانات رياضية منظمة هادفة تشاركه هلاوسه وجنونه الطفولي عن أن ربما بعض السوفييت يتراسلون مع عملائهم في أمريكا بأشارات ما عبر المجلات ... هااا ... من قلب موجات الفوضي يتكثف النظام

* * *
تجد نفسك في خضم الاحداث ، فوران الحركة وأزدحام الشخوص ... غرائبية التزامنات ... لا يفضي بك هذا إلا لفقدان المعني ... صراعات ورغبات ومخاوف تجد سبيلها نحو الوعي الخؤون باللغة المتشابكة مع رتابة الزمن ... فلعلها عزلة ما قد تترك أثراً في إثراء المعين ... المعني

* * *

بينما كنت راكباً الحنطور وأتنحطر كانت تلك الدوائر قد بدأت دورانها الأهليلي في فلكها حول رأسي معلنة بداية الخلق لأفكار غير الأفكار ....وكلمات غير الكلمات......أو السقوط في بئر اللاوعي...وكان هذا هو الأحتمال الأوقع. أنظر يميني لأتأكد من قدرتي البصرية لأجد السمراء ما زالت بجانبي وهذا شيئ عظيم.....أنا لم أفقد الوعي بعد......حقيقاً هي مختلفة قليلاً أو كثيراً ولكن ما أهمية ذلك؟؟

هي ما زالت بجانبي وهذا يكفيني لأتأكد من أني ما زلت في صحراء الوعي وتلك الأفلاك الدائرة التي تحاول أخراجي قد فشلت تماما في مهمتها

يا عم فهممممممممممممممي......بكل ما ملكت من عقيرة ناديت ....ذلك الكهل الذي أفني حياته بين رعاية تلك العربة والتي وان زاد عمرها عن الاربعين عاماً ما زلات محتفظة بكثير من رونقها الفرنسي الراقي. واما ذلك الحصان الذي يقود العربة فهو بالطبع ليس فرسها الأول ولكنه بحسب رواية فهمي الثالث أو الرابع...لا اتذكر تحديداً....أطفي الكاسيت يا عم فهمي.............. ينظر لي ببطء فرس نهر عجوز ثم ينظر للكاسيت الذي يصدح بأغنية شعبية تتحدث عن الحناطير والحنطرة ويتمايل معها لثوان ثم يلبي رغبتي

لست أدري لماذا كلما أحببت أن اتأكد من أنني لست أحلم وأن ما يحدث هذا حقيقي أنظر لها.....هي غير جميلة وأن كانت تحمل جاذبية شرقية تذكرك بالهنديات . حتي أنني لا أتذكر أين عرفتها ,هو بالتأكيد خلال الأيام الثلاثة السابقة حين بدأت أحلم وأهذي كثيراً

شايفة البيت ده ؟؟........

أيوه شايفاه......

البيت ده في الدور التاني كان ساكن واحد صاحبي أسباني كان عايش في بلدهم لا بيه ولا عليه لحد ماطقت في نافوخه يزور مصر ويا ريته ما زارها

ليه ....؟.....ليه يا ريته ما زارها ؟؟

مش عارف بأة يعني هو لو مكنتش جه مصر كان سكت.... كنت زمانه عايش في تونس ولا في الصين حتي.....هو كانت دماغه بتحدف علي تعدد ثقافات والبحث عن حقيقة الوجود بمختلف معنايها ولغاتها (أميل علي أذنها كمن يخبر بسر)......كان من النوع اللي مش مستريح وحاسس ان فيه حاجة غلط حواليه.....حاسس بزلطة بتلعب جوه دماغه......الحرية يا جميلتي الحسناء....الحرية...كان أنسان حر أوي

علامات عدم الفهم علي وجهها مع نظرة استنكار لخروجي عن السؤال......تعددية ايه؟؟...وحقيقة وجود ايه؟؟؟.....قولي ليه يا ريته مازراها؟؟

لاحظت أهتمامها بغض النظر عن بلاهتها المعذورة فيها فقررت أن احكي لها.........أنا عرفته أصلاً من حاجة أسمها التبادل الطلابي....التبادل الطلابي ده كان بيجيب طلبة من اوروبا هنا مصر ويودي طلبة مصريين اوروبا لمجرد الزيارة....الحاج آندي بأة كان بيدرس طب في أسبانيا وزي متقولي كده مصدق وجد فرصة لزيارة دولة عربية وظبط الليلة وكتب مصر... وجتله مصر

أصمت ثم أسرح في صوت خطوات الحصان المنتظمة فتبادر هي.....سكت ليه؟؟....مش عايز تكمل؟؟--

لا لا عادي بس سرحت.....المهم اتعرفت عليه بالصدفة في يوم حر شديد اوي....سألني علي مكان بيع لميه او بيبسي....وديته الكافيتريا واتعرفنا....................خلصت الزيارة لمصر ورجع بلدهم واذ أفوجيء بعد تلات سنين برسايل علي الايميل منه وبيقولي انه جاي مصر, ابن المجنونة جي مصر

أسمع صوت ضحكتها الغير مصطنعة لأول مرة...........وبعدين؟؟--

بس.....قرر يقيم في مصر ويتعلم اللغة العربية......وبس.......قعد هنا سنتين وشوية و رجع اسبانيا.........وبس

بس ايه؟؟--

يعلو صوتي فجأة........بس يعني بس....كفاية كده ....الشوية دول كفاية النهاردة....آندي أنتحر.....وصلي خبر انتحاره وحطم دماغي لفترة طويلة .....................لما كان بيراسلني كان بيقولي دايما انه بيفكر يموت نفسه وانا طبعا كنت فاكره مش واخد الحكاية جد كده.....بيهيس يعني......ومطلعشي بيهيس يا ..........وانتي أسمك أيه بالمناسبة؟؟

تلاحظ ضحكة السخرية علي وجهي......أسمي أندي

أسمك آندي برضه.....أنعم وأكرممم ..... مع حرف الميم أشعر بالوجود يسحب ليدور في حلقة الحرف ثم يسكب في طرفه ......... يبدو انها نهاية ال

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قاص و روائى سكندرى

السبت، 24 أكتوبر، 2009

قِمّة الشارع



أمينة عبد الله*
ــــــــــــــــــــــــ


(1)
للفكرة جبرو ت
بيتحكم في نظر تك أحيانا
ويضغط عليك
على طول .

تبدأ با لتخلى عن جما ليات الكتابة
و آ ليا ت التو ا صل مع ا لآخر
وتفقد الأشياء حميميتها بالتدريج .
وكل ما تجرى وتتقل أحمالك
تسيطر عليك فكرة التخفف
ورفع التكليف
فتستغنى عن أ ول ا لأحلا م
وتبقى المسألة أسهل من التفكير فيها .
لما تقف تنهج
من جريك المستمر ,
و تلاقى نفسك لوحدك
ومش معتقد دلوقتى ف وجود حد

ح اكون مسيطرة ع الموقف
ومادة لك صورة جديدة للجمال
تستعيد بيها مكياجك
وتتألق للحظة وداع أخير

(2)
باحن لأشياء مش مرتبطة بيها أكيد
زى الضفيرتين والفيونكات قبل وجود التوك
وخجل بنات إعدادي من تضاريس جسمهم
وتدخين الولاد بشراهة
لإثبات الرجولة
كلها

حاجات باحن لها, وتبعتنى لمرحلة تانية من الحنين
للوشوش المعتادة على محطة الترام الصبح
لتجهيز البنت من صحا بها لأول ميعاد على قمة الشارع
وكلام الصبيان عن علامات البلوغ.

باحا ول
أعمل توازى قصادك للفكرة .
الحنية اللي بتسقطها عينيك
في اللقى والوداع,
و انتظارك لغاية التاكسي ما يحود
حاجة تستدعى الانتباه
ولما مالقكش ف نفس المكان ,
أحدف نفسي ف الزحمة , وأنا متأكدة
إن عينيك محوطانى
ولما أتصدم ف عامود نور

أبكى

من لحظة وداع أخير
 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شاعرة من الإسكندرية

عازف البيانو



إسلام يوسف*
ـــــــــــــــــــــــــ

خارجا لتوه من مسرح سيد درويش بواجهته الأوبرالية الايطالية الموشاة بوجوه باروكية فاغرة أفواهها، ماراً بتمثال نوبار باشا الذى يتوسط الفسحة الدائرية أمام المبنى العتيق، يخرج إلى شارع فؤاد، يعدل من وضع الكاسكتة ذات اللون الأصفر الباهت على رأسه الذى غذاه الشيب منذ زمن، تنسدل خصلات فضية اللون على كتفه، بذلته الصوفية العتيقة ذات اللون البنى الكالح تستقبل فى جيبها العلوى الأيمن زهرة صناعية قانية الحمرة علتها طبقة لزجة من التراب الساكن فى وداعة أبدية، ممسكاً عصاه التى يتوكأ عليها ، عصاً خيزران بنية تآكل ملاطها، فى أسفلها قطعة من الكاوتشوك سحلتها الطرقات


سار على الجانب الأيمن ماراً بمحلات خردوات و أحذية و محلات أثاث فاخر ، وصل إلى محل حلوانى (فينوس) على ناصية تقاطع شارع فؤاد النبى دانيال، دخل إليه مواجهاً عامل المحل بإبتسامة صافية، طلب قطعتين من كيك الشكولاتة و قطعتين من الكرواسون، لفهما له العامل فى ورقة بيضاء، أخذها و خرج صاعداً إلى شاطىء البحر، يسير بمحاذاة الكورنيش بخطىً وئيدة متمهلة تنوء بالزمن، جلس إلى أحد المقاعد الحجرية تاركا لقدميه فرصة للتنفس و الراحة من عناء الطريق، يراقب أسراب النوارس المنتشرة على صفحة الماء كأنما هى هنا إلى الأبد، تبدو من بعيد كأنجم مضيئة لماعة منثورة على زرقة الماء، ساحبا نفساً عميقاً من أنفاس الشاطىء، يقوم بعده مواصلا مسيره إلى حى المنشية، يجلس على مقهى البورصة التجارية المطل على البحر،يطلب فنجاناً من القهوة ، يأتيه على طبق صغير دائرى أبيض اللون ، يحتسى قهوته السكر زيادة بتمهل من الفنجان الأسطوانى الأبيض المزحرف بزخارف نباتية مذهبة، تقبل شفته المكرمشة حافة الفنجان بود و حميمية، مصدرةً رشفاته صوتاً عالياً فى تلذذ...ينتظر قليلاً، يأتى أصدقائه القدامى ، يلعبون دور طاولة ، و فى ساعة العصارى يهم بالوقوف عائداً إلى البيت


عمارة من العمارات العتيق ة المطلة على الكورنيش، ذى الواجهة الأوروبية الرخامية المحلاة بقرميد أحمر بين ثناياها، شرفة شقته مطلة على البحر، يصعد إلى الطابق الرابع مستندا على الدرابزين الخشبى القائم على أسياخ حديدية، ماداً قدميه فى وهن على سلمة إثر أخرى، يقف أمام الباب الطويل ذو المصراعين بشراعاته الزجاجية، يُخرج المفتاح القديم ذو اللسان العريض و اليد الطويلة، يديره فى كالون الشقة، يفتح و يدخل واضعاً لفة الحلويات على الطاولة الدائرية الصغيرة تركوازية اللون بأرجلها المنحنية الرفيعة و المركونة إلى الجدار بجانب المدخل
تستقبله زوجته ماريا أتية من المطبخ بوجهها المتغضن و عيناها الغائرتان رمادية اللون

-هه..أنت جئت؟

لا يرد.......


يتقدم إلى البيانو العتيق القابع فى ركن الصالة، يجلس على الكرسى الدائرى المنخفض قبالة البيانو، يرفع الغطاء عن الأصابع البيضاء الطويلة و السوداء القصيرة ، تتحسسها يداه، يفتح النوتة الموسيقية على إحدى معزوفات باخ، تنساب أنامله على أصابع البيانو يعزف لحنا شجياُ، بين آونة و أخرى يخرج من بين اللحن المنساب صوت نشاز فيعيد الكرّة، يضرب على الأصابع بعصبية، ثم بنتهى متأففاً

تُخرج زوجته آنيات و أطباق الخزف الصينى من النيش، تلمعها بقماشة ناعمة فى هدوء و إستكانة وببطء لذيذ، مولية ظهرها إليه

-لم تعد كما كانت ؟! هاه؟

يأتيها صوته بنبرة لاهثة مستطلعة فى توجس

-ماذا!؟
- أصابعى لم تعد كما كانت!!
- آه، نعم ، بالطبع...لم تعد كما كانت

يقوم من على المقعد، يسير باستكانة و إستسلام نحو حجرته، ظهره منحنٍ قليلاً ، يدخل الحجرة و يغلق عليه الباب. الحائط مغطى بصور بنية الاطار لأساطين الموسيقى الغربية، بيتهوفن و باخ و هندل، شومان و برامز و دفورجاك، سترافنسكى و تشايكوفسكى و رمسى كورساكوف و موتسارت

يتأمل الصور ، تر تسم على وجهه أمارات الألم، يجلس على حافة السرير الخشبى العريض ذو الملاءة الساتان الحمراء، يشعل غليونه الأسود المدور ذو المبسم المنحنى المبطط، يضعة فى جانب فمه الأيسر و يسحب منه أنفاساً بطيئة ثم ينفث الدخان فى أرجاء الحجرة، عينه س اهمة تصطدم نظراتها بخشب الأرضية الباركيه المتآكل الذى يئن عند وقع خطاه عليه، تجاعيده تبدو أكثر إنقباضاً

عندما ينتهى يفرغ الرماد فى منفضة زجاجية شفافة على الكومودينو بجانب السرير، يرفع قدميه و يستلقى فى هدوء، يزوره النوم تحت ثقل الأجفان...طرقات خفيضة على الباب....لا يرد...تزداد الطرقات..يعلو صوتها ..لا يرد...تغدو الطرقات ضربا مبرحاً على الباب ثم تدخل زوجنه تنادى عليه فى نجوى أشبه بالهمس..لا يرد، تزعق..... لايرد

تنتفض النوارس من على سطح الماء مرتطمة بالهواء العاتى، مشكّلة سحابة كبيرة تبتعد و تبتعد ...ثم تختفى عن النظر


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*قاص من المنصورة

ترعة المكس..فينيسيا الإسكندرية...الحياة بالمقلوب




أحمد الفخرانى*
ــــــــــــــــــــــــــ


"البحر بيضحك والله للخفة وهي نازلة تدلع تملا الجلل


واشمعنا امال يتخلج ع المراكبي وتغرج مركبه دي وجعته زحل

يخلي الموج يشخلعها تبص لفوج على جلوعها

تلجاها ترجص تركي وهندي بطننا تمغص وانا اجول بدي

ياعزيز عيني أروح بلدي""

العبور على ترعة المكس ببساطة أن تقرر الذهاب إلى العجمى ، لكن رؤيتها عن حق أمر بصعوبة أن تقرر التوقف هناك ، عند كوبرى المكس .يوميا يمر آلاف السكندريين والمصطافين على هذا المكان دون أن يروه ، هو مكان هامس ومحاصر سلفا وأهلها لايسموه بترعة المكس بل بترعة الخندق ، كأنما يؤكدون الحصار والعزلة .

الأتوبيس المكيف الذى انطلق بى من المندرة لايشبه الاسكندرية الحقيقية التى اختزلت فى الطريق على الكورنيش ، اسكندرية الحقيقية أكثر عمقا ، تشبه ابناء بحرى والدخيلة والمكس ، الذين لازالوا ينطقون الأنا "أنى " ويضخمون الفعل "نجيبوه ، نروحوا " ليس تضخيما لذواتهم لكن لأن حياتهم كما أفعالهم جماعية ولاتحتفى بالوحدة، كالصيد ،كالحب ،كالفرح ، كحياكة الشبك ، كلعب الدومينو على المقهى بعد يوم عمل شاق أو انتظارا لفرح مؤجل ، أما الحكومة بما تمثله من قوة وتعدد هو قادر على اختزالها تحت كلمة واحدة "الحاكم " والحاكم كلمة تنطبق عنده على العسكرى ورئيس الجمهورية ،على عربة الشرطة وعلى عربة الأمن المركزى .الحاكم فرد يختلس الفرح ولايشارك ، يأتى للعدوان ، وللدفاع عن آخرين ليس من بينهم ابناء الاسكندرية ، حتى عندما يفتح الفعل "نَِزلت ، شَربت "لأنه رغم كل شىء مفتوح على الحياة ، السكندرى هو أكبر محبيها ، يعرفها تمام المعرفة ، غادرة كالبحر لكنها باتساعه ، مليئة بالحمق لكنها مليئة بالخير أيضا.

يتحرك الأتوبيس على الخط الذى بسببه يقولون على الاسكندرية أنها جميلة، الكورنيش ، ثم وسط البلد ، المنشية ، كأن حدود الاسكندرية تتوقف عند النبى دانيال ، لكنها فى الواقع اسكندرية الأجانب ، الأسطورة التى اسموها المدينة "الكوزمبوليتان"،مدينة لم يملكها ابناؤها بعد النبى دانيال يبدأ ايقاعا آخر للاسكندرية التى سكنها الأبناء الأصليون للاسكندرية ، هناك الورديان القبارى ، كوبرى التاريخ ، كوبرى المكس ."صديقى الذى يعمل ببيت المكس-أحد التجارب المهمة فى المكان - ويدرس الانجليزية لأطفال المنطقة قال لى فى الهاتف "أخبر السائق أنك تريد النزول عند الكوبرى ، ستجد بائعى السمك " كنت خجلان من سكندريتى التى لاتعرف الاسكندرية كما يجب ، "نَزلت "عند الكوبرى ، متحمسا لرؤية إسكندرية التى رأيتها فى الصور كأنى غريب عن المدينة ، تصدر ترعة المكس فى الصور على انها فينيسيا الاسكندرية ، هى بالفعل كذلك ، لكنها ليست محاصرة بالغرق ، هى محاصرة بالفقر والجهل و"الحاكم " .

"

ماكنا زمان بنتمحلس ولفندي كان بيتمجلس


شوف بجى خيرنا ولا خيرك حتاخد زمنك وزمن غيرك ماتظنش أبدا أبدا

إياك تعجل وتصدج ولاتبجاش تتمهزج عاللي يكون أصغر منك

يجي لك يوم وتعوزه تلجاه لاوي لك بوزه تيحي تجز على سنك

ياخا عاهدني إيدي في إيدك واهو تفيدني وانا افيدك

انا في سعدي وانت في فجرك لكن مصري زيي زيك يغور المال اللي يفرج

البحر بيضحك ليه "

صابر غازى ابن أحد الصيادين فى ترعة المكس ، "مكاسى " كما يقول الكتاب ، نزق ، عنيف ،لايثق فى الغريب بسهولة ، قادر على التعلم لكن بكبرياء ، قانونه ذراعه ، عقله قرآنه وعقيدته ، لن يسلمك عقله أبدا ، حياته رغم كل شىء تمثيل حقيقى لرغباته هو ، حتى إذا أقنعته لن تمتلكه ، من يقدر على امتلاك ابن بحر بامتياز .

ابن الصياد صياد ، قانون ترعة المكس آخر قرى الصيادين فى الاسكندرية ، لكن صابر يكسر القاعدة ويعمل مع إحدى مؤسسات التنمية ، مؤسسة جدران التى بدأت كفكرة بانشاء بيت المكس أو –المكتبة كما يسميها الأهالى - داخل القرية.

كان الاتفاق أن يقابلنى صابر فى بيت المكس ، ثم ننطلق معا لأشاهد المكان ويعرفنى على البيوت " الناس هنا عندهم مشاكل مع الصحافة ، ووجود صابر معك سيسهل عملك ، هو دماغه ناشفة شوية بس طيب"

كان هذا كل مااعرفه عن صابر وترعة المكس قبل حضورى ، وجهزت نفسى جيدا لأكسبه كى يساعدنى ولا يتحول لاعاقة ، قابلته داخل بيت المكس ، مكان ملون من ثلاث طوابق ، اشتراه زوجان مصريان يعملان بالفن التشكيلى منذ 10 سنوات ، فى وقت كانت بيوت ترعة المكس مهددة فيه بالازالة لرغبة شركات البترول بالتوسع ، نجحا فى لفت الأنظار إلى المكان وتسليط الضوء على أهميته وجماله ،تغيرت وجهة نظر صانع القراربعد أن وجد الأجانب يحولونه إلى قبلة ، يخشى "الحاكم " أن يزيل مايعجب الأجنبى .




داخل بيت المكس كان هناك أطفال يرسمون ،ومشغل خياطة ، بنات من المكس ، شاحبات ووديعات يقمن بتعليم الأطفال ، لفت نظرى ولد يدعى صبرى عمره 10أعوام ، أسمر ، وشقى ، ويرتدى "بلوفر "-رغم أن الجو ليس شتاء-بلوفر رخيص لكنه مبهج ،ويربط رأسه بقماشة رفيعة صفراء –عرفت فيما بعد أنه يحبها ويعتبرها تميمة حظ .كان صبرى منهمكا فى الرسم والألوان ، لكن ذلك لم يمنعه أن يبتسم لى "بشقاوة " ويرمى دعابة ، رددتها له بود .


تجولت قليلا فى البيت ، ثم جاء صابر ، عرفت من البداية أنى سأسير وراء كلامه وليس كلامى ، شخصيته واضحة ومحددة ، وجه مجرم سابق ،تحول إلى طفل ، قاوحت قليلا لاثبات انى "واد برم " ومش "خنفس " واسكندرانى "من العطارين " ، تجول بى صابر فى ترعة المكس ،لكنه فرض شروطه من البداية "مافيش كلام مع حد غير اللى اشاورلك عليه " كانت وجهة نظره "تلك الأيام الصيد فيها ممنوع والصيادين على آخرهم ومش هيرضوا يتكلموا " .

عرفت فيما بعد أن الأمر أيضا يتعلق بخلاف عائلات بين عائلة صابر وآخرين ، أما الخوف من الصحافة فيرجع لأن الصيادين لايحب أحد أن يكتب عنهم كفقراء –رغم أن الفقر هو السمة الغالبة لكن بينهم موسرين أيضا-وأخبرنى أن الأهالى ثاروا من قبل عندما شاهدوا صورة أحدهم من قبل فى صحيفة ، كانت صورة جميلة لأحد الصيادين وهو يغزل الشبك بجوار قاربه ، لكن أحد ابناء المكس قال لهم "دول بيشحتوا عليكوا " ثار الأهالى على صابر ، لأنه الأقرب للصحافة بحكم عمله مع مؤسسة جدران أو بيت المكس .

سرنا معا ، الغريب أنه لم ينزل بى إلى البيوت التى تمتد على جانبى الترعة ، بل مشى بى فى الشارع الذى ينتهى عند شارع الطلمبات ، المؤسسة العسكرية حاضرة بقوة فى المنطقة ، وسيلة التنقل هى الكارتة ، لاتكلف صاحبها أكثر من 25 قرشا، الكل يعرف صابر ويخشاه ، لم يصرح صابر لأحد إنى صحفى ، بعد انتهاء الجولة ، أتاح لى صابر التحدث مع شخص واحد فقط "اسمه على " صياد ويعمل فى دكان زوجته فى فترة منع الصيد ، للاسترزاق ، دكان يبيع خليط من الأدوات الكهربية وأدوات الصيد و البناء والسباكة .

بعد أن انهيت حديثى مع على الصياد ،رفض صابر أن يعرفنى على آخرين "دماغه ناشفة بس طيب" ورفض هو أن يتحدث عن أى شىء ، تركنى صابر ذاهبا للبحث "عن سايبر" ،فى الواقع كنت قد يأست من "دماغه الناشفة" فتركته يرحل "هتصرف ياصابر ما تقلقش"

******************************

كأنها نشأت من العدم ، لا أحد يعرف على وجه التحديد متى ظهرت ترعة المكس إلى الوجود ،يقولون أن زلزال هو السبب .المكس نفسها تقع فى غرب الاسكندرية على يسار الطريق إلى مصايف الأثرياء سابقا العجمى ، ابتعد الأثرياء إلى مارينا واصبحت العجمى نفسها أحد أماكن الفقراء الجدد.ويقال أن كلمة المكس جاءت من المكوس أو الضرائب ، ويقال أن القائد مينا الفرنسى مر من هنا .

ترعة المكس ، آخر تجمع للصيادين فى الساحل الشمالى ، بيوت صغيرة وملونة تمتد على جانبى الترعة ، بيوت انشأها الصيادين ليصيروا قرب حياتهم التى لاتعرف سوى الصيد ، بجوار بيوتهم القوارب الخشبية والزوارق والمغازل والشبك .150 بيت تقريبا بناها الصيادين ،على جانبى إحدى قنوات الصرف الزراعى لمزارع الأرز للفلاحين ، تأتى من بحيرة مريوط لتصب فى البحر الأبيض المتوسط "السمك بيحب المية الحلوة " قال لى الريس سيد أحمد متباكيا على الترعة التى كانت تجلب الخير

والسمك لمصر كلها .

الحياة هناك بالمقلوب ، لا أجد توصيفا آخر لتلك الحالة ، تسمى الترعة ترعة الخندق ،اسم محاصر سلفا تماما كأهلها المنعزلين اجتماعيا وتاريخيا وجغرافيا أيضا ، البيوت تمتد على مسافة كيلو متر ونصف ،شكل البيوت يأخذ شكل المدرج وهو نسق معمارى بدائى يجعل المنازل تبدو على هيئة أهرام مقلوبة ، الترعة نفسها تخترق تلا ، تقل مساحة المنازل على ضفتى الترعة وفقا لانحدار التل ، "سريرى بجوار لقمة عيشى " ترفع القريه هذا الشعار ،البيوت لا يفصلها شىء عن البحر ، تنام بجوارها المراكب والزوراق بوداعة ، يتوارثون المراكب عبر الأجيال ، يتقاسمها الأخوة والأصحاب ، غالبية سكان الترعة من الصيادين ، حتى العاملين بمهن أخرة وهم نادرون يسرحون للصيد ، يبدو المنظر رائعا وملهما ، شخص ساذج مثلى سيذهب من أجل كتابة فنية وجمالية ليعود مثقلا بمشاكل لا أول لها من آخر ، رغم عشوائية بناء البيوت ، الا أنها خلقت حالة من التناغم ، لايمكن لذلك المكان أن يرسم بطريقة أفضل ،بساطة ساحرة محاصرة بالتلوث لوجود شركات بترول وتسرب الأطفال من التعليم وغياب الصرف الصحى والتأمين ، المكس بأكملها لايوجد بها مستشفى أو مستوصف ولا تحتوى سوى على صيدلية واحدة.

فى أحد المنازل التى تحيا بالمقلوب ، أدخلنى صابر إلى دكان عم على " الوحيد اللى ممكن تتكلم معاه والوحيد اللى مش هيخاف هيتكلم "

54 عاما على كتف عم على ، قضاهم صيدا ، منذ أن كان طفلا صغيرا، تابعا قانون ترعة المكس"لا أعرف سوى البحر ، قسوته لاتقارن بقسوة الجهات السيادية التى تتحكم فى المكس "قسوة "الجهات السيادية " لصيادى القرية ترجع إلى تاريخ طويل اشتهرت به المكس فى التهريب ، تهريب المخدرات والبشر "لكن الحاكم ده المفترض له عنيين يعنى اللى بيهرب بيبقى معاه 20أو 30نفر فى مركب شانشلا لكن اللى طالع يصطاد بيبقى معاه اتنين تلاتة بالكتير فتشنى وانا طالع وأنا نازل لكن ماتخدش العاطل على الباطل وتحوش رزق ربنا "

ذكاء الزوارق الصغيرة يفوق كثيرا قدرة المراكب الكبيرة وبطشها اثناء محاولتها القبض على زوراق التهريب ، فالزورق الصغير كان يعتمد على حيلة بسيطة فهو قادر على الالتفاف أسرع نظرا لحجمه الصغير من المركب الكبير الذى يحتاج إلى وقت أكبر للفة الواحدة "كانوا بيجنوهم " .



شهر مايو أسوء شهر يمكنك الحضور فيه للحديث مع صيادى ترعة المكس عن جمال قريتهم ، ففى ذلك الشهر الصيد ممنوع فى ساحل البحر المتوسط كله ، أغلب الصيادين على المقهى ، باستثناء قلة كعم على يتحايلون على الرزق .


لكن مآساة ترعة المكس أن الصيد نفسه محاصر أغلب شهور السنة ، بأساليب عدةيقول عم على " لم أسمع عن أى مكان يسد فيه البحر بالشادوف عن الصيادين الا فى المكس "

هناك ثلاثة عيون يجرى منها الماء من البحر إلى الترعة التى كان السمك –أيام العز-يحب ماؤها المالح –عينان منها مسدوتان طيلة الوقت وتسد الثالثة فى حالات المنع كذلك الشهر المشئوم أو فى حالة أن "الجهة السيادية " قررت فجأة "أن لاصيد اليوم .

"ده اسمه قطع عيش ولوى دراع ، غير الشهر ده كانوا فى أوقات كثيرة بيمنعوا الصيد، رخصة الصيادين ممنوع تجديدها من سنة 96 " اندهشت فمعنى هذا أن الصيادون ممنوعون من الصيد منذ 13 عاما سألته"هل تعنى أن المهنة نفسها ممنوعة من 13 عاما" لكن كيف تمارس عملك ؟

"قال عم على "اللى بيعرف رتبة بينزل البحر يشتغل واللى ما يعرفش بيرشى العسكرى "

ترعة المكس ماؤها حلو ، كان جاذبا للسمك فهو يفضل الماء الحلو على المالح قبل أن تبدأ شركات البترول بالقاء مخلفاتها فى الترعة ليهرب السمك ويهرب معه الرزق "العوادم تخنق أطفالنا "

عم على لديه أربع بنات منهم وفاء التى تعلم الأطفال الرسم فى بيت المكس ،عم على العجوز لديه روح السكندرى يقول عن وسائل الحصار " هصطاد يعنى هصطاد ، بالعراك هنزل بالحبر بالجنيه هنزل البحر، أنا عليا ديون للبنك ، والفلوس اللى دفعتها للعسكرى عشان انزل اصطاد كانت تعملى 100 ترخيص من اللى هما منعوه، الواحد منا لو فلت من لانش السواحل مش هيفلت من اللى باع له الموتور ، بسبب عدم الترخيص بيصادروا المركب لوقابلونا ، هتقولى راشى ، آه بس أجيب قوت عيالى إزاى "

"الحكومة طول عمرها بتاكل " فى نظر عم على "ندفع ضرائب وايجار للحى وللثروة السمكية ولا نحصل فى المقابل على أى خدمة لامستوصف لاسوق لا صرف ولاتوجد سوى صيدلية واحدة تغلق أبوابها يوم الجمعة ولامعاش محترم ، الحاكم دائما يتعامل معنا بوصفنا مخالفين للقانون حتى يثبت العكس "

قرار منع الصيد جاء لمنع صيد "زريعة السمك " أو السمك الذى لايزال ينمو وهو قرار يبدو منطقيا ، ورغم أن القرار دولى وينطبق على دول حوض البحر المتوسط الا أن لا أحد يثق فى الحكومة أو"الحاكم "، يقول عم على أن الحاكم الذى منع الصيد سمح به لصيادى النزهة "يعنى اللى جاى يتنزه بسنارته يصطاد واللى الصيد أكل عيشه يتمنع "

"ماالحل بالنسبة لقرار المنع فى شهر مايو" سألت عم على "إن الحكومة ماتخدش العاطل بالباطل ، صياد السردين ممكن يصطاد بشبك واسع وساعتها مش هيطول الزريعة أو السمك الصغير ، ورغم إن ده مكلف للصياد لأنه ساعتها هيشترى شبك جديد"

شبك الغزل تكلفته خمسة آلاف جنيه وهو رقم كبير بالنسبة لصياد أقصى طموحه أن يجد قوت يومه.

غادرت أنا وصابر دكان عم على ، حاولت اقناع صابر بأن يعرفنى على مزيد من الأسر لكنه رفض ، يخشى رد فعل الناس ، قلت له "خلاص هتصرف " افترقنا وفى نفسى شىء من صابر لكن ما عرفته عنه بعد ذلك غير وجهة نظرى ،صابر قوى البنية وعمره 23 عاما

كان مقدرا له أن يغرق فى البرشام والكيمياء ، وأن يسير بحياته على طريقة الابن المدلل الذى ضرب مدرسا أثناء امتحان فى المدرسة ، ليقرر أن يترك التعليم ، والدته ذهبت إلى قسم الداخلية وكتبت ضد ابنها محضرا كى يعود إلى الدراسة ، لكن لا أحد–ولا مجلس الأمن نفسه-قادر على تغيير ما نوى صابر تنفيذه .

بيت المكس أعاد اكتشاف صابر ، اتخذ منه فى البداية موقفا معاديا ومستهينا كأغلب شباب المنطقة ، كان يقتحم البيت أحيانا مع اصدقائه لبشرب الكحول ، لكن اهتمامته الفنية بدأت تجذبه إلى البيت ،ليبدأ فى صناعة الخزف وتعلم التصوير على أيدى فنانة فيتنامية ، كثير من الصور المنشورة هنا من تصوير صابر ن لكن صابر تغير بشروطه أعماله الفنية هى ماترضى قناعاته فقط ، ما يشعر بجماله ، ميزة صابر الحقيقية أنه لم يحاول ارضاء أحد الا ذاته ، ولم ينخدع بوهم الأفندى ،مع الوقت بدأ العمل مع جدران أو بيت المكس بشكل رسمى ، اصبح عن مسئول عن المخازن والكثير من المسئوليات الادارية ، احتاج وقتا كبيرا ليتفهم أن هناك آخر يحمل ثقافة أخرى ، تفهم بشدة ،لكنه لايسمح لهذا الأخر أن يمحوه ، وكابن بحر حقيقى كان يترجم غضبه من أى فنان فى بيت المكس بضربه .


حدوتة بيت المكس :


بعد أن تركنى صابر ، كدت أن افقد خيوط قرية تتوجس من الغرباء ، كدت أن أرحل،فحتى بيت المكس أغلق أبوابهفالساعة تخطت الرابعة عصرا ، لولا أنى شاهدت صبرى –الطفل الذى كان يرسم فى بيت المكس –يعبر الطريق مع صديقه .فى الواقع هومن رآنى .نادانى قائلا :مروح ؟أجبته :استنى ندردش شوية .صبرى وصديقه كان فى طريقهما للاستتحمام فى البحر ،سألتهما :بتحبوا البحر ليه ؟السؤال ساذج جدا ، لكنهما أجابا :"لأن الخير كله هناك "البحر هنا طريقة حياة ،الفرحة والرزق والرعب والحب والقلق والميلاد والموت .صبرى يعمل صياد هو الآخر ، أخرجه أبوه من المدرسة ليعمل معه ، "بنطلعوا الفجر نسرحوا ، الساعة سبعة نسلكوا السمك وبعد كده نبيعوه للسريحة ونجيبوا فلوس "

دورة حياة يراها صبرى ممتعة ، هى كل شىء، هى كل ما يعرفه عن الحياة "بتحب المكس ؟"أجاب صبرى "المكس دى جميلة ، بس العيال الصيع اللى بيبرشموا هما اللى مبوظينها وجايبنلها الأذى والحكومة "سألته أين تعلم هذا فأجاب "أبلة أميمة وأبلة وفاء فى بيت المكس ".

بيت المكس حدوتة بدأت منذ 10 سنوات ، زوجان يعملان بالفن التشكيلى هما سامح الحلوانى وعلياء الجريدى ، كان لديهما بيت فى البيطاش ، كانا يمران على المكان بحكم الطريق المؤدى إلى العجمى ، لكن الفارق إنهما توقفا عنده ، فالمكان الذى يكره الغرباء يختبىء من أعينهم أيضا فلا يراه المصطافين والسكندريين ، كان المكان مهددا بالازالة من قبل شركات البترول ، حى بسيط وفقير وبلا أسلحة ، وتصديق جماله يحتاج إلى مرور فنان تشكيلى وزوجته بصدفة ، لوحة جمالية ، جدارية لم يفقه بهاؤها أحد .

قرر الزوجان شراء بيت من أحد الصيادين ، كعادة أهالى القرية المنسية منذ سنوات ، واجهوهم بالريبة وأسئلة من نوعية من أنتم .خمسة أشهر كاملة قضاها الزوجان يتحدثان عن مشاريعهما لأهل القرية، كانوا يسمعون لكن دون أن يسمحوا لهما بالدخول ، حدودهما قهوة حدوتة المكس لكن لادخول إلى البيوت ، بعد خمسة أشهر ظهرت بادرة أمل تحمس بعض الشباب وكانوا قد اشتروا أحد البيوت المغلقة ، بيت من ثلاث طوابق ، بعد أن تقدما بفكرتهما لمؤسسة فورد "سننمى المكان عن طريق الفن " وبتمويل المؤسسة .بدأت دائرة العمل .

منطقة محاصرة بالجهل والعزلة كيف يمكن أن تفهم فنان تشكيلى ، لكنهما وجدا الثغرة التى جعلت الأهالى تطمئن قليلا، الأطفال فبدأ البيت ، فقاموا بعمل مجموعة من ورش العمل الفنية مع الأطفال شملت رسم وتلوين ونحت وكورال، ومن خلال هؤلاء الأطفال استطاعوا دخول القرية والتعايش مع أهلها فدعوا السيدات لإقامة مكان خاص بهم للمقابلات وحل مشاكلهم وبدأوا فى تعليم الخياطة والتطريز وغيرها من أنواع الفنون المختلفة،ثم بدأ بمشروع لمحو الأمية مشروع محو الأمية للرجال والسيدات ، ثم استخدما ثلاجة قديمة لتصبح مكتبة ، ثم بدأوا فى تلوين المنازل من الداخل والخارج ، انضم للفكرة عددمن الفنانين والمثقفين ، . وصل أكثر من 18 فنان من فرنسا، وجنوب أفريقيا، والكاميرون، وكينيا، وتوجو، والسنغال بالإضافة إلى مصر والمغرب، جاءوا كلهم ليشاهدوا المشروع الصغير وليقيموا به ويرسموا أو يصورواوتعاملوا مع الأهالى واكتسبوا ثقافات مختلفة وتعرفوا على عادات جديدة فكانت تجربة جديدة عليهم وعلينا بكل تأكيد وأقاموا معرض حى لكل ما تم تنفيذه من أعمال داخل قرية الصيادين نقل المعرض مصوراً إلى المركز الفرنسى ليعرض أمام الناس والجمهور الذى لم يتمكن من رؤية المكان.

أطلق على المشروع اسم بوسطاشى ، ترجع أصول تلك الكلمة المرتبطة بالصيد إلى فترة النوة وهى فترة يمنع فيها الصيد فيستغل الصيادون الفترة بين نوتين وهى عادى لاتتخطى من 12 إلى 24 ساعة للصيد وتسمى تلك افترة بوسطاشى .

تسليط الضوء على المكان نجح فى لفت انتباه صانع القرار إلى أهمية المكان ، وتراجع عن قرار إزالته .وفى عام 2003 التفت د.هشام سعودى أحد مستشارى المحافظ ومصمم كوبرى ستانلى إلى كارثة وجود قطار سكة حديد يعبر من وسط القرية ، قطار فوق البحر ، كارثة بكل المقاييس ، فقد كان حصد القطار أرواحا كثيرا فضلا عن تهديده للمنازل ، فى اجتماع فى المحافظة بحضور مندوب هيئة السكك الحديدية"اقترح د.هشام سعودى ازالة خط القطار ، لكن التفكير الروتينى لمندوب هيئة السكك الحديدية كاد أن يهدد ازالة القطار "أى حاجة فى مصر ممكن تتشال إلا خط السكك الحديد."لكن الحيلة استطاعت أن تجعل القرار ممكنا فقد اقنع د.هشان سعودى مندوب هيئة السكك الحديدية بأنه سيدخل التاريخ لأنه أول من سيطبق قرار إزالة خط سكة حديد فى مصر" نجحت الحيلة وأزيل القطار.وكانت أول النجاحات الملموسة "لكشاف" بيت المكس" كما يحب سامح الحلوانى أن يسمى تجربته .

عندما جاءت الفنانة سو ويليام من جنوب أفريقيا إلى المكان لم تكن تعرف ماالذى ستفعله فى المكس ، فقامت بتسجيل تعليقات الصيادين عن قريتهم وكتبتها على الحوائط بعدة لغات ، لكى يفهم زائر القرية مشاعر الناس ورؤيتهم لمكان حياتهم .

أما جيمنا كيمانى وهو فنان من كينيا فقد لاحظ بمجرد مجيئه إلى المكس أن الترابط بين الناس بعضهم البعض هو أهم ما يميز هذا المجتمع الصغير كما أن الصيادين يجلسون مدة طويلة فى ربط شباك الصيد ببعضه، فجاءت له فكرة استخدام المشابك فى عمل فنى وقام بتجميع عدد ضخم جدا من المشابك وقام بعمل كرة كبيرة ووضع بداخلها رمح، وكل شخص سوف ينظر إلى هذه الكرة سيشاهدها من منظور مختلف ولكنه استخدم المشبك لأن الوظيفة الأساسية له هى الربط بين شيئين وهو رمز لترابط الناس مع بعضهم البعض.


أما أنطون ديجاتا الفنان الفرنسى قرر اللجوء لشئ آخر تماما ليتعامل مع الناس داخل القرية، فقد قام بتأجير محل صغير واشترى آلة تصوير وجعله استوديو تصوير يقوم بتصوير الناس مجاناً ويعطيهم صورهم وكلما مر عليه أحد وطلب منه التصوير يقوم بتصويره بكل سعادة وهو يجلس طوال يومه أمام دكانه منتظر الناس لتتصور مجاناً، كانت مغامرة لأن طبيعة المكان تعتبر التصوير جزء من جرح الخصوصية ، فتح الاستوديو وجعله بالمجان وخاصة أن ثقافة الاستوديو لدى أى فرد تختلف لم تقبل عليه وأكبر فتاة جاءت وصورتها كانت لا تتعدى ال16 عام وكان الإقبال معظمه من الأطفال والشباب وبعض الرجال الكبار. هيرفن يامجين وهو فنان من الكاميرون قرر أن يقوم بكتابة خطاب كبير للناس باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية يشرح لهم تجربته كأجنبى يأتى إلى منطقة ذات طبيعة خاصة وشعوره وتجاههم وسلم هذا الخطاب للناس فى أيديهم .




أما فرنسوا ديكونسيه فقد رسم يد مفرودة بأصابعها الخمسة وطبعها على استيكر وأراد أن يلصقها بشكل معين فى أنحاء القرية وخاصة عند مدخل القرية و هذه اليد لها عدة رموز فهى مثل يد الأطفال ومصنعة من ورق وتلصق على المعادن وعلى الأماكن الصلبة وبالتالى فترمز لنعومة ورقة الأطفال مع خشونة الحياة، كما أن هذه اليد ترمز للتحية أو لشخص يغرق فى المياه ويشير لأحد أن ينقذه وهى أيضا ترمز للسلام أو للحسد حيث يشار بها لمن ينظر بحسد كعلامة على اتقاء شر الحسد، ويقول فرانسوا أنه قد يكون كل هذه المعانى مجمعة هو المقصود بهذه اليد، ووضعها فى مدخل القرية ليراها كل المارة من خارج القرية .

كل تلك الأشياء كانت مدهشة ومفرحة ، لم تحدث تغييرا جذريا فى سلوكيات الأهالى لكنها نقلت بذرة فكرة مهمة ، أن هناك آخر يحمل ثقافة أخرى وأفكار أخرى تعارضها مع ثقافة "المكاسى " لاتنفى انسانيته،لكن الأمور لم تكن بتلك البساطة فداخل ترعة المكس ، في مرحلة لاحقة استضاف بيت المكس ندوة شعرية لشعراء مصريين وأجانب ، وكان الحضور ممثلا من شباب المكس ، الفتيات استجبن للقصائد ، فالملاحظة الأكيدة أن فتيات المكس على شحوبهن ووداعتهن أكثر استعدادا للتغيير ، فى الندوة الشعرية كان "الدكتور " أحد ابناء المكس حاضرا وقد سمى الدكتور لأنه يرتدى نظارة كعب كوباية ويجيد نطق بعض الكلمات بالانجليزية ويقرأ الشعر ، كادت الندوة تتحول بسببه إلى فضيحة ، جلس الدكتور مع رفاقه يتندورن على هؤلاء الذين يلقون اشعارا بالانجليزية –وحتى بالعربية كانت مادة مثيرة لضحكهم – الدكتور تجاوز حالة الضحك والسخرية للتحرش بآندى يانج شاعرة أمريكية ، لكن الدكتور الذى بدا علاقته ببيت المكس بالتحرش ، اكتشف مع الوقت قدرته هو الآخر على نظم الشعر ، تزامن ذلك مع محاولات موسيقى شاب لصناعة أغانى لأهل المكس تتناسب مع بيئتهم والجو المحيط بهم ، فظهرت موهبة الدكتور ابن المكس ، فبدأ بالتفاعل مع المكان وارتبط جدا بذلك الموسيقى الشاب ، بدأ يعامل الشعراء المترددين على المكان بندية ، الموسيقى الشاب يدعى حازم ، عندما رحل ، انسحب الدكتور من المشاركة متأثرا برحيل ملحن كلماته .

نجح البيت مع بعض الشباب والفتيات ، لكن نجاحه الأكبر كان مع الأطفال بدليل صبرى المتلهف لتركى وحيدا لينزل مع صديقه إلى البحر "أنا مش فاضيلك بقى عايز انزل البحر " جرى وهو صديقه ، ناديته ضاحكا"طب عرفنى على حد من الصيادين وامشى " قال لى بخفة دم "هتلاقيهم كلهم قاعدين على قهوة حدوتة المكس ..اليومين دول مافيش صيد" ثم اختفى مع صديقه ، عرفت فيما بعد أن صبرى يملك صوتا جميلا وغنى من قبل فى معهد جوتة منفردا أمام جمهور ، لو كانت قرية المكس تمتلك طفلا بهذا الذكاء والخفة فهى بالتأكيد ستعبر كل أزماتها .



"دا الوابور واجف حاله والمراكبي زاد ماله مابجاش غيرنا يابو عمه

الجنيهات نازلة علينا بهوات بيبوسوا إيدينا تيجي تطردهم يتلموا

نوجفهم طابور في طابور ونجول صفدن سلام حازدور

شوفوا كويس بتكلموا مين ده انا الريس شعبان حسنين

اللي ف جفصو بيضاله

هب جزم هات الأجرة برفكس ماعنديش بكرة مستعجل جدا جدا

أنا معرفش كلام غير ده ولاانجص عشرين خرده

والنبي لو كنت تدن

البحر بيضحك ليه "

ظهور الريس سيد أحمد كان منقذا لى ومحيرا أيضا ، بعد ان تركنى صبرى ذهبت إلى مقهى عملا بنصيحته ،المقهى ممتلىء عن آخره بالصيادين ، أغلبهم كبار السن ، حالة بطالة نتيجة قرار منع الصيد ، لكن الضحك وضجيج الدومينو كان سيد الموقف .قال لى صاحب المقهى أن الريس سيد أحمد هو الوحيد الذى سيكون مفيدا " على الصحافة " لكن على انتظاره فهو لم يأت بعد

، عشردقائق "مسافة الشاى وظهر الريس سيد أحمد ، عندما عرفته بنفسى "أحمد صحفى من أخبار اليوم وأود الحديث عن مشاكل الصيادين فى ترعة المكس "

رد الريس أحمد كان محبطا "أخبار اليوم مش هتكتب الكلام اللى انا عايز اقوله ، ده جرنان حكومة واناكلامى مش على مقاس الحكومة "

عرفت فيما بعد أنه ظهر من قبل فى برنامج 90 دقيقة وحذف كلامه فى المونتاج ، شعرت بالذنب لأنى قلت أخبار اليوم وليس أخبار الأدب ، لكن الحسبة عادلة بعض الشىء هو لن يقرأ أخبار الأدب ولايتوقع خيرا من جريدة حكومية .

شركات البترول هى العدو الأول لصيادى السمك ، منع الصيد بدون تعويض للصيادين ، السماح لصائدى النزهة بالصيد "البشوات آه والصيادين لأ ،لامستوصف ولا صيدلية ،امور حدثنى عنها عم على من قبل ،خكى لى عن أنهم من قاموا بجلب الصيدلى إلى المنطقة ، "دكتور من قبارى ، تقريبا اتحايلنا عليه ، بيقفل الجمعة ، لو جه لواحد منا مغص مايعرفش يلاقى برشامة ولازم ينزل الورديان عشان عشان ياخد حقنة او برشامة ، وأى مستشفى خاص هتاخد الشىء الفلانى"

فى أوقات الصيد لن تجد مخلوقا على المقهى ، قمنا من على المقهى وذهبنا إلى الترعة ، كى يرينى زيت البترول الذى قتل السمك .

"المركب اللى انت شايفها دى مش رخيصة دى على الأقل 80 ألف جنيه ، والغزل بخمسة آلاف ، وقوت اليوم بيومه ، ماتجيش كمان تمنعنى اشتغل "

أشار لى إلى صيادين يقومون بتهريب الشبك والمراكب"هنعمل إيه حكومة راكبانا بالحيلة وماينفعش معاها غير الحيلة" .

يؤجر الصيادين مراكب نزهة ، مراكب تخرج بلا شبك ، وبعد الخروج بمسافة معينة فى عمق شاطىء المكس نفسه ينتظرهم شخص آخر بالشبك .من يستطيع خداع ابن بحر .

مشاكل الصيادين مع الحكومة قديمة ،هم مدانون سلفا حكى لى الريس سيد أحمد عن واقعة احتراق البيوت فى القرية ، جاءت الحكومة وقبضت على الصيادين، توفى منهم 7 فى الحريق ، ولولا أحد المحامين الذين "يخشون الله ولايخشون الحاكم" لما خرجوا ، تبين فيما بعد أن شركات البترول هى سبب الحريق.

"لو معايا لقمتى هحارب الجن ، لكن الحكومة ما بتناولناش لقمتنا عشان مانحاربهاش"

مر صياد عرفت ان اسمه مجدى عمارة أثناء حديثى مع الريس سيد أحمد الذى استشهد به على سوء الحال "بص يااستاذ هقولك كلمة واحدة الحال هنا زى موسكو حالة تحت الصفر "

سألته عن بيت المكس ،وعن أثره فى حماية الترعة من قرارات الازالة ، كانت اجابة مجدى مفاجئة "مادوناش غير شوية بوية واسترزقوا على قفانا ..سامح الحلوانى ومراته كانوا جايين فقرا ودلوقتى راكبين عربيات "

الاجابة كانت صادمة ، يحمل الريس سيد أحمد نفس إجابة مجدى عمارة ، هم يكرهون بيت المكس ورغم مرور 10 سنوات على وجوده فى المكان الا أنهم لايقتنعوا بدوره ، "الرسم والرقص والمسخرة ..ده كلام فارغ "

أشار لى الريس سيد أحمد على الشيخ فرج ، رجل بلحية وجلباب ، كان يقف على مركب صيد ،حكى له أنه كان يمسك بالميكروفون ويندد بوجود الأجانب والممثلين ،كان يفعل ذلك فى الصباح ليعتقله أمن الدولة فى المساء، كان يتحدث عنه كبطل ، المفارقة أن الرجل يحيى معهم ولايعمل صياد إنما يبيع الجاز ، قلت ساخرا "ألا يذكرك بائع الجاز الملتحى بشركات البترول التى لاترغب بوجودكم "

جماليات ترعة المكس ، دفعت العديد من المطربين كهانى شاكر وحنان ماضى وشاهيناز إلى التصوير فى المكان ثم جاءت السينما ، بدأت بمشهد فى فيلم الشبح ،ثم بلطية العايمة الذى حول ترعة المكس من "لوكاشن جيد" إلى بطل للفيلم فقصة الفيلم تدور حول محاولة أحد رجال الأعمال الاستيلاء على أحدم ناطق المكس وتتصدى له سيدة ، بعد بلطية العايمة صور داواد عبد السيد بعض مشاهد فيلمه الجديد "رسايل البحر " فى قرية الصيادين "

"أقسم بالله لو ممثل تانى جه هنا لا أكسر رجله " الجملة لمجدى عمارة الذى اتهم مديرى مشروع بيت المكس بالاسترزاق على حسهم ، حاولت التماس العذر فالأمر ربما يبدو له أن السينما تعاملت مع مكانهم باعتباره مكانا جميلا ولم يلتفتوا إلى مشاكلهم "لكن فيلم بلطية العايمة يدافع عنكم " لكن الريس سيد أحمد "لا أشاهد أفلام ومسخرة "كان الشيخ فرج حاضرا بقوة تخيلته وهو يمسك ميكرفونه ويطالب بحرق الأجانب ، لكنه لم يعد يحتاج إلى ميكرفون ، فهو داخل عقل صياد بسيط يفكر فى "كسر أقدام الفنانين " .



حكاية حكاها مجدى عمارة نفسه وأخرى حكاها السيد أحمد جعلتنى أؤكد أن كراهيتهم لبيت المكس هو شعورهم أنه لم يستفيدوا بشكل مباشر .


الحكاية الأولى كانت عندما جاء عمرو عرفة مخرج فيلم الشبح ورأى بيت المكس التابع لمؤسسة جدران ، صمم أن يكون ذلك البيت تحديدا هو موقع التصوير ، اجتمع مع سامى الحلوانى على المقهى ، كان سامح مصرا على مبلغ 20 ألف جنيه ، لكن حمادة الوز أحد صيادى القرية وله علاقة بالسينمائيين ويجرى الاتفاقات معهم خفض المبلغ إلى 8 آلاف ، كان عمرو عرفة يظن أن اصرار الحلوانى بسبب طمعه الشخصى ، لكنه فوجىء أن سامح الحلوانى جاء بحودة العمش أحد شيوخ الصيادين وأعطاه المبلغ لتوزيعه على البيوت حسب احتياجها ، رغم أن البيت الذى تم تأجيره كان تابعا للحلوانى وليس لأحد من صيادى القرية ، الغريب أن حودة العمش نفسه فشل فى توزيع تحديد المحتاجين ، فتقدمت وفاء التى لم تتخط الخامسة والعشرين وسط الرجال على المقهى وقامت ببراعة بتحديد البيوت الأكثر احتياجا للمال الموزع .

وفاء تعلمت فى بيت المكس ورغم أنها لم تحصل سوى على الدبلوم الا انها قادرة على تقديم قيم نبيلة لأطفال الورشة عن طريق الحكى .إذا كان بيت المكس فشل مع الريس سيد أحمد ومجدى عمارة فيكفيه قدرته على اكتشاف طاقة بنت شاحبة ووديعة كوفاء.

الحكاية الثانية حكاها الريس سيد أحمد عندما احتاج منزله إلى بعض الأسمنت فذهب إلى سامح الحلوانى بالسلاح .

لايمكن لومها فالمكان الذى ظل مهملا طيلة عشرات السنوات ، ولم يعرف سوى قرارات إزالة أو هجوم من الشرطة أو قطار يعبر فوق بيوتهم لن يصدق بسهولة ، ان هناك من يعمل لأجله ، وسيتوقع من بيت المكس أن يقدم مالم تقدمه الحكومة ، رغم أن بيت المكس لم يدع سوى أنه مشروع يحاول تنمية الوعى بالفن ولن يصدق أن السينما لم تأت إليه لاستغلاله .يرى بلال فضل صاحب سيناريو بلطية العايمة " أن هناك فجوةحقيقية فقد صنع فيلما عن أناس لن يشاهدوا الفيلم فلقمة العيش أولى من ثمن تذكرة سينما "سألته إن كان تعرض لمضايقات أثناء التصوير "فأخبرنى أنه لم يتعرض لمضايقات أثناء التصوير فى المكس ، لكنه حكى له أنهم اضطروا اثناء تصوير فيلم صايع بحر للدفع إلى بلطجية اتقاء لشرهم يرجع بلال فضل ذلك إلى غياب هيبة الدولة ، فرغم استيفائه لتصريحات الداخليةوالميناء فالمفارقة المحزنة أن هذه التصريحات لاتشكل أى حماية سواء من بلطجى أو شخص يسخر بعدوانية من الممثلين أوآخريصرخ أثناء التصوير"اللى بتعملوه ده حرام " ورغم أن بلال فضل يرى أن فيلمه بلطية العايمة دافع عن أهالى المكس الا أن السينمائى عبد الله ضيف والمنسق العام فى مؤسسة جدران يرى أن الفيلم لم يراع الأبعاد الاجتماعية لطبيعة سكان المكس وإن شاهدوه "سيكسروا رجل أى ممثل يجىء إلى المنطقة " وجهة نظر عبد الله أن الفيلم جعل المرأة هى من تتصدى لرجل الأعمال بينما باع الرجال وأظهر المسئولين كرافضين لخظة رجل الأعمال ، كما أن من تصدت لبيع المكس كانت بائعة كسكسى من بحرى وهى أمور قد تثير غضب ابناءالمكس على السينمائيين إذا ما شاهدوا الفيلم "كان الأمر يحتاج إلى دراسة أكبر لطبيعة المكان وسكانه "يقول عبد الله .

أخذنى الريس سد أحمد ومجدى عمارة إلى المقهى مرة أخرى ، تجمع حولى 8 صيادين ، تذكرت كلام صابر غازى الذى أخبرنى أن لاأحد سيتكلم ، تشككوا مرة أخرى فى أن جريدة حكومية ستتحدث عن مشاكلهم بصدق ، وللمرة الثانية خفت أن أخبرهم أنى تابع لأخبار الأدب ، الأمر به قليل من العبث أيضا ، لأنى سأكتب عن مشاكل الصيادين فى جريدة سيقرأها المثقفون فقط تماما كأفلام بلال فضل يصنع أفلاما عن أناس يشاهدها سواهم

"الصياد مالوش ذكرى "تكررت تلك الكلمة كثيرا أثناء حديثى مع الصيادين الثمانية ، تذكروا شيخ الصيادين فى عهد السادات على زريقة ، عضو مجلس الشورى الذى كانت له كلمة مسموعة عند رئيس الجمهورية وكان يدافع عن حقوقهم ويذهب إلى كل صياد بنفسه ليعرف مشاكله .

أبسط الأشياء أنه لايوجد ميناء لهم ، أوتأمين، يضطرون بعد خلو ترعة المكس من السمك بسبب عوادم البترول إلى الذهاب إلى مناطق بعيدة لاتتحملها مواتير مراكبهم ، يتحدثون عن صيادون فى السجون بتهمة الصيد ، مصادرة المراكب ، لكن المفارقة هو تخيلاتهم عن أسباب منع الصيد فأحدهم قال أن المنع يحدث بسبب خروج مراكب وزير الزراعة الذى يملك 10 مراكب وفقا لكلامهم ، الكلام غير صحيح قطعا ، لكنه يحمل دلالة هامة ، فلا أحد يثق أن الحاكم ، يصدر قرارا للصالح العام ، دائما هناك مصالح خفية ، لما ابديت عدم تصديقى قال أحدهم إنت شكلك ما بتقراش جرايد ماقرتش خبر المصرى اليوم اللى موظفين فى وزارة الأوقاف سرقوها ، حتى اللى بيأموا بينا بيسرقوا ، ناقص إيه تانى ، الحكومة بتأذى مش بتدى "




تركت الصيادين محملا بسؤال لم كل هذا التحفز ضد مجموعة قررت أن ترسم وتحكى لتسليط الضوء على مكان كاد أن يزال ، الكثير من الأسئلة الفجة فى الواقع ذهبت بها إلى سامح الحلوانى وعلياء الجريدى وعبد الله الضيف المسئولين عن المشروع .


يقول سامح الحلوانى الذى أحبطه قليلا كلام مجدى عمارة "هناك فجوة بين ما يتوقعه منك الصيادون وبين امكانياتك الفعلية ، دور بيت المكس هو زرع بذرة ، التنمية بالفن لن تخلق لهم حالة معيشية أفضل ، لكنها بدأت بالأطفال ، لو نجحت معهم فقد نجحت فى تغيير وعى المكان مستقبلا "

بينما أشارت علياء الجريدى" أن المشغل يتعامل معه من 40 إلى 50 سيدة أى 40 أو 50 بيت ، استطعنا أن ندخل إلى هناك ،كما هاجمنا بعض الأشخاص وسبونا فى خطبة الجمعة فابناء المكس أنفسهم هم من دافعوا عنه عندما هاجمه بلطجية ، المكان نفسه تغير بعد 10 سنوات تغير بطىء لكنه ملحوظ ، نسب التسرب من التعليم انخفضت ، شكل الملابس، أداء الكثيرين صار أنعم، احساسهم بالاستقرار وأن بيوتهم لن تزال دفعهم للاهتمام به أكثر"

احساس المكساوى بالعزلة كان متفاقما ، فخروج ابن قرية المكس إلى وسط البلد كان يسميه"أنا نازل اسكندرية ، وكان فى المنطقة ما يسمى بالأبونيه وهو شخص يقوم بقضاء المشاوير والحاجيات لبيوت القرية لخوفهم من الابتعاد عن المكان ، اختفى ذلك الأمر قليلا بقدوم الآخر إليهم.

يقول عبد الله ضيف " طيلة سنوات لم يكن هناك ميكانيكى واحد لتصليح مواتير المراكب بين ابناء القرية تم تدريب 20 شاباً على تقنيات و حرفيات صيانة قوارب الصيد، و كذلك إنشاء وحدة ميكانيكية مجهزةبالتعاون مع الأكاديمية البحرية ، فشلنا فى أخذ موافقات على تشغيل الوحدة المكيانكية بسبب اعتراض جهة سيادية ، مواتير المراكب كانت عبارة عن مواتير عربيات نقل يجرى عليها بعد التعديلات ، كانت المراكب نفسها كبيرة وتحتاج إلى وحدة سحب مراكب ، اعتقد أننا نجحنا فالفكرة كانت فى زرع الرغبة فى التغيير، فالذى حدث أن الصيادون أنفسهم هم من تغلبوا على عدم قدرتنا على تشغيل ورشة المكيانيكا بحلول بسيطة فقد باعوا مراكبهم القديمة واشتروا مراكب أصغر حجما بمواتير بحرية وليست مواتير عربيات النقل ، هكذا لم يعودا فى حاجة إلى ورشة الميكانيكا ولا وحدة سحب المراكب ، نحن لم نفعل ذلك ، نحن فقط طرحنا البذرة ، الفتيان أنفسهن تغيرن من فتاة لاتخرج من البيت إلى فتاة تعرض اعمالها فى معارض عالمية ، التغيير دائما كلمة مخيفة، نجحنا مع الشباب والأطفال والسيدات ، لكن الكبار سيرفضونه قطعا ، لقد فقدوا الثقةفى كل شىء منذ زمن "

ترعة المكس مجتمع يشبهنا كثيرا ، يحتاج إلى مجهود كبير للايمان بالآخر محاصر بالفقر والجهل "والحاكم " يتوجس من الفن ، اعتقد أن بيبت المكس نجح فمجرد وجود طفل كصبرى أو شاب كصابر أو فتاة كوفاء هى علامة امل ، الفن لم يغيرهم ، كانوا رائعين منذ البدء ، لكنه فقط أعاد اكتشافها ، وأضاء تلك المنطقة المعتمة داخلنا كمصريين ، نتوجس من التغيير والفن ونشاهد السنيما ونحنقر صانعيها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شاعر و قاص و صحفى إسكندرى مقيم بالقاهرة